ابن قتيبة الدينوري

مقدمة الطبعة الثانية 3

المعارف

[ مقدمة ] بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدمة الطبعة الثانية 1 لقد كان هذا الكتاب - كما قلت قبل في مقدمة الطبعة الأولى - ثمرة من ثمار كثيرة لابن قتيبة الدينَوَريّ أبى محمد عبد الله بن مسلم ، وكانت تلك الثمار كلها تحمل طابع ذلك العصر الَّذي عاش فيه ابن قتيبة ، وهو الميل إلى التأليف الجامع لموضوعات مختلفة ، ثم الاستطراد في كل موضوع ، وكان مرد هذا لا شك إلى اتساع النقل إلى العربية ، فلقد ترجمت في ذلك العصر ، الَّذي أظل ابن قتيبة ، كثرة من الكتب عن اللغات الأخرى التي كان لها أثرها لا شك في ظهور مناهج جديدة في التأليف ، كان منها هذا المنهج الجامع الَّذي انتهجه ابن قتيبة كما انتهجه غيره من مؤلفي ذلك العصر ، كالجاحظ ، وابن عبد ربه . وكما تأثر كتّاب ذلك العصر بهذا تأثروا بشيء مثله ، ولكنه كان له مظهر آخر ، فلقد كان ذلك العصر عصر إرهاب وفوضى خرج الأمر فيه من يد الخلفاء إلى يد الموالي الأتراك ، وأصبح هؤلاء الموالي هم الحاكمين حقّا ، ولم تعد أمور الناس تجرى على طمأنينة وأمن ، بل عاشوا حياة يسودها الفزع والخوف ، الظَّفر فيها لمن غلب . فلقد أصبح هؤلاء الأتراك حربا على الخلفاء ، وهم الذين استجلبوا ليكونوا درعا لهم ، فإذا هم يقتلون منهم من لم يستجب لما يطمعون فيه ، وما كان طمعهم هذا لينتهي عند غاية ، فلقد أخذوا يقتلون من غير الخلفاء من يحسون فيه الميل إليهم أو الوقوف إلى جانبهم . وأول ما كان لهم من عدوان منكر كان ذلك العدوان الَّذي راح ضحيته